فضاء حر

من ردفان إلى (فجر اليمن)… وطن يقاتل كي لا يموت مرتين

يمنات

أسامة الأصبحي

ليست الثورات تواريخ معلّقة على جدران الذاكرة، ولا الأعياد الوطنية خطبا تُلقى ثم تنصرف الجموع، الثورات الحقيقية أسئلةٌ يتركها الشهداء في ضمير الأحياء ماذا فعلتم بالوطن الذي دفعوا أرواحهم ثمنًا لحريته؟

في الرابع عشر من أكتوبر 1963، انطلقت من جبال ردفان شرارة لم تكن مجرد طلقة في وجه الاستعمار البريطاني؛ كانت إعلانا بأن الشعوب التي تعرف طريقها إلى الحرية لا تُهزم، مهما طال ليلها، ومهما اختلّت موازين القوة. ومن تلك الجبال ارتفع صوت اليمني الذي رفض أن يكون غريبًا في أرضه، حتى تُوّجت التضحيات بالاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967.

لكن التاريخ، في اليمن، لا يمضي دائما إلى الأمام. أحيانا يترك للشعوب مهمة قاسية: أن تستعيد أحلامها من تحت ركام الحروب، وأن تدافع عن معنى الوطن بعدما تتكاثر الأيدي التي تعبث به.
إن المأساة الكبرى ليست أن يخوض اليمن حربًا جديدة، بل أن يجد نفسه، بعد كل هذه التضحيات، مضطرًا إلى القتال من جديد من أجل أبسط حقوقه: دولةٌ تحميه، وقانونٌ ينصفه، وأمنٌ لا يخضع لمزاج السلاح.

اليوم، تأتي عملية (فجر اليمن)، التي أُعلنت في الخامس من أكتوبر 2026 م بهدف استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين، في لحظة شديدة التعقيد من تاريخ البلاد. وهي ليست مجرد مواجهة عسكرية تُقاس بنتائج الميدان؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة اليمنيين على تحويل القوة إلى دولة، والتضحيات إلى سلام، والانتصار العسكري إلى حياة تستحق أن تُعاش.

فما قيمة التقدم على الجبهات إن بقي المواطن مهزوما أمام الجوع؟ وما جدوى استعادة المدن إن لم تستعد معها كرامة الإنسان وحقوقه؟ وما معنى أن تشرق شمس الفجر على الجبال، بينما تبقى البيوت غارقة في عتمة الخوف والفقر والنزوح؟

إن استعادة الدولة لا تكتمل بتغيير خطوط المواجهة وحدها، بل ببناء مؤسسات لا تتنازعها الولاءات، وقضاء مستقل لا يخضع للنفوذ، وجيش وطني لا يتوزع بين المشاريع المتصارعة، وسلطة تدرك أن شرعيتها ليست امتيازا سياسيا، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه شعب أنهكته الحرب.

وفي المقابل لا يجوز أن تتحول معاناة اليمنيين إلى ذريعة لتبرير الانقلاب على الدولة، أو مصادرة إرادة الناس، أو فرض سلطة السلاح على المجتمع. فالحوثيون، بما فرضه انقلابهم من واقع مسلح خارج مؤسسات الدولة، يتحملون مسؤولية جوهرية عن تقويض النظام الجمهوري وتعميق الانقسام؛ لكن إنهاء هذا الواقع لن يكون كاملا ما لم يُغلق اليمنيون أبواب إنتاج الاستبداد بكل صوره، ويستعيدوا حقهم في دولة المواطنة المتساوية.

والصراع اليمني، في جوهره، لم يعد مجرد نزاع على مدينة أو جبهة أو مقعد في السلطة. إنه صراعٌ على طبيعة اليمن الذي سيولد من بين الأنقاض: أهو وطن تحكمه المؤسسات، أم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟ أهو دولة يقرر أبناؤها مصيرهم، أم ورقة في مفاوضات الآخرين؟ أهو وطن يتسع لجميع أبنائه، أم غنيمة تتقاسمها القوى كلما تبدلت موازين الحرب؟

وهنا تبرز مسؤولية القوى اليمنية والإقليمية والدولية. فالدعم العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يعفي القيادة اليمنية من واجب بناء مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد وتوحيد القرار العسكري والأمني. كما أن مساندة اليمن لا ينبغي أن تكون مدخلا للوصاية عليه، بل طريقا لاستعادة قراره الوطني وصون سيادته، مع حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

أما تعز، فإنها تختصر مأساة اليمن كلها. مدينةٌ أنهكتها الحرب، وضاقت فيها سبل الحياة، وما زال أهلها يدفعون ثمن صراع لم يختاروه. وفي أحدث التحذيرات الإنسانية، برزت مخاوف من نقص الغذاء والإمدادات الطبية وتعطّل وصول المساعدات إلى مناطق متضررة. خلف هذه الأرقام أطفال لا يعرفون من السياسة سوى الخوف، وأمهات يقتسمن القليل كي يبقى أبناؤهن على قيد الحياة، ومرضى ينتظرون دواءً قد لا يصل.

هؤلاء ليسوا هامشا في معركة التحرير؛ إنهم الغاية التي ينبغي أن تُخاض المعركة من أجلها. وأي خطاب عن النصر لا يرى دموعهم، وأي احتفالٍ لا يسمع أنينهم، يظل ناقصًا مهما علت أصواته.

لقد علّمتنا ثورة الرابع عشر من أكتوبر أن الحرية لا تُمنح لمن ينتظرها، بل ينتزعها شعب يؤمن بحقه. لكنها تعلّمنا اليوم أيضا أن الاستقلال لا يكتمل برحيل مستعمر، ولا بانتهاء معركة، ما دام المواطن أسير الخوف والفقر، وما دامت الدولة عاجزة عن حماية حقوقه.

لهذا، فإن (فجر اليمن) يجب ألا يكون اسما لعملية عسكرية تنتهي بانتهاء العمليات، بل عهدا وطنيا يبدأ باستعادة مؤسسات الدولة، ويمتد إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والسلطة، وتحقيق العدالة، ومحاسبة الفاسدين، وجبر ضرر الضحايا، وفتح الطريق أمام سلام عادل لا يكافئ العنف ولا يشرعن الاستيلاء على مؤسسات الدولة بالقوة.

إن اليمن لا يحتاج إلى انتصار يرفع راية فريقٍ فوق أنقاض فريق آخر؛ يحتاج إلى انتصار يرفع راية الوطن فوق الجميع. يحتاج إلى رجال دولة يدركون أن السلطة تزول، وأن الشعارات تخبو، وأن ما يبقى في ذاكرة الشعوب هو ما إذا كانت قد وجدت خبزًا وكرامة وأمانا وعدالة.

من ردفان بدأت حكاية رفض الخضوع، واليوم يقف اليمن أمام امتحان جديد: هل يستطيع أن يحوّل ذاكرته الثورية إلى مستقبل مختلف، أم سيظل يدور في الحلقة ذاتها، تتغير فيها أسماء المعارك بينما تتكرر المقابر؟

إن الفجر الحقيقي ليس أن تصمت البنادق فحسب، بل أن يستيقظ اليمني فلا يخاف، وأن ينام فلا يجوع، وأن يختلف فلا يُقتل، وأن يطالب بحقه فلا يُهان.

ذلك هو النصر الذي يستحقه اليمن، وتلك هي الأمانة التي تركها شهداء أكتوبر للأحياء: وطن لا يكتفي بطرد الظلم من حدوده، بل يرفض أن يسمح له بالعودة في أي صورة، وتحت أي راية.

فالأوطان لا تموت حين تخسر معركة، بل حين يفقد أبناؤها الإيمان بإمكان إنقاذها.

واليمن مهما اشتد ليله، ما زال يستحق فجرا لا يخيّب أحلام أبنائه.

زر الذهاب إلى الأعلى